محمد متولي الشعراوي
1849
تفسير الشعراوى
فالدركة تنزل ، والدرجة ترفع . « هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ » فاللّه هو العادل الذي ينظر لخلقه جميعا على أنهم خلقه ، فلا يعادى أحدا ، إنه يحكم القضية في هذه المسألة سواء أكانت لهم أم كانت عليهم ، وبعد ذلك يردفها - سبحانه بقوله : « وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ » ليطمئن هؤلاء على أن اللّه بصير بما يعملون فلن يضيع عنده عمل حسن ، ولن تهدر عنده سيئة بدرت منهم . « وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ » . ونحن نسمع كلمة « يعمل » وكلمة « يفعل » وكلمة « يقول » ، والعمل أهم الأحداث ، لأن العمل هو تعلق الجارحة بما نيطت به ، فالقلب جارحة عملها النية ، واللسان جارحة عملها القول ، والأذن جارحة وعملها الاستماع ، والعين جارحة وعملها أن تنظر . إذن فكل جارحة من الجوارح لها حدث تنشئه لتؤدى مهمتها في الكائن الإنسانى ، إذن فكل أداء مهمّة من جارحة يقال له : « عمل » . لكن « الفعل » هو تعلق كل جارحة غير اللسان بالحدث ، أما تعلق اللسان فيكون قولا ومقابله فعل ، إذن ففيه قول وفيه فعل وكلاهما « عمل » إذن فالعمل يشمل ويضم القول والفعل معا ؛ لأن العمل هو شغل الجارحة بالحدث المطلوب منها ، لكن الفعل هو : شغل جارحة غير اللسان بالعمل المطلوب منها ، وشغل اللسان بمهمته يسمى : قولا ولا يسمى فعلا ، لماذا ؟ لأن الإنسان يتكلم كثيرا ، لكن أن يحمل نفسه على أن يعمل ما يتكلمه فهذه عملية أخرى ، ولذلك يقول الحق : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ( 2 ) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ( 3 ) ( سورة الصف ) إذن فالقول مقابله الفعل ، والكل عمل « وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ » قولا أو فعلا وبعد ذلك يقول الحق سبحانه :